الحكيم الترمذي

55

كيفية السلوك إلى رب العالمين

الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ( 11 ) [ محمد : 11 ] ، وقال : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] . فما ظنك ، رحمك اللّه ، بمن كان اللّه وليه وناصره ومعينه ومؤيّده ، هل تدرك حقيقة أحواله بحاسّة العقل ؟ أما رأيت إنكار الضالّين كرامات الأولياء ومعراج النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ نظروا إليها من أهوائهم وسموها عقولا ، وزعموا أن عقولهم لا تقبل هذه الأشياء ، ولا يصح مثل هذا من طريق المعقول ، فكل ما لا تقبل عقولهم فذلك باطل . فيا أخي كيف تدرك بآلة مخلوقة محدثة مركّبة ربوبية خالق قدير رب عالم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ؟ ومتى يدرك شيء يزيد وينقص ويتقارب ويتفاضل ربوبية رب لا يزيد ولا ينقص ولا يتغير حاله ؟ بل العقل حجة من اللّه تعالى على العبد ، وهو آلة مركّبة لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية . ومن عجز عن إدراك أشياء في نفسه مخلوقة فيه ولم يدرك حقيقتها علما إلا بالظن والخيال مثل النوم وأحوال القلب وطبائع النفس والروح ، ولا يعرف حقيقة النفس أيش هي ، ولا يعرف حقيقة العقل الذي يدّعي أنه يعرف به كل شيء ، فكيف يكون له سبيل الإدراك إلى ما هو أعلى منه ؟ بل الصواب التسليم للحكم والاستسلام للربّ والرجوع إلى الحق . وهذا الموحّد الذي وصفه اللّه تعالى بقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( 37 ) [ ق : 37 ] ، فهذا صاحب القلب في الحقيقة ، لأن حافظ قلبه ربه عز وجل ولأن من وكّله اللّه إلى حفظ قلبه زاغ قلبه ، ومن حفظ قلبه ربه فقد وقع من الشغل في فراغه . والناس يعظمون هذا الإنسان ، لأنه رفيع المقدار . وقد وضع هو نفسه ، وأزراها ، صارت نفسه لنور قلبه كالمرآة بعينه ، ينظر بنور قلبه إلى نفسه فيعرفها ، فيصل بمعرفتها إلى معرفة ربّه جل وعلا . قال اللّه تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) [ الذاريات : 21 ] ، وقال عليه السلام : « من عرف نفسه عرف ربه » . وهذا إنما يكون للمبتدىء في أوائل أمره وسلوك طريقه ، وأما إذا اتصل بنور الحق ، وقوي بقوة الحق ، تلاشى عند سلطان عظمته قدر من دونه من خلقه ، ويظل عند ظهور حقه مقدار جميع خلقه . وقد وصف اللّه مثلا من نور قلب المؤمن على سبيل المثال فقال تعالى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها إلى قوله : بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ